ابن رشد

5

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

مع النية اللفظ الخاص به ؟ أم ليس من صحته اعتبار اللفظ ؟ فمن ألحقه بالعقود التي يعتبر فيها الأمران قال : لا نكاح منعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج ، ومن قال : إن اللفظ ليس من شرطه اعتبارا بما ليس من شرطه اللفظ أجاز النكاح بأي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي من ذلك ، أعني أنه إذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة . الموضع الثاني : وأما من المعتبر قبوله في صحة هذا العقد ، فإنه يوجد في الشرع على ضربين : أحدهما : يعتبر فيه رضا المتناكحين أنفسهما : أعني الزوج والزوجة ، إما مع الولي ، وإما دونه على مذهب من لا يشترط الولي في رضا المرأة المالكة أمر نفسها . والثاني : يعتبر فيه رضا الأولياء فقط ، وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل اتفقوا عليها ، ومسائل اختلفوا فيها ، ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول : أما الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح ، واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده والوصي محجوره البالغ أم ليس يجبره ؟ فقال مالك : يجبر السيد عبده على النكاح ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : لا يجبره . والسبب في اختلافهم : هل النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه ؟ وكذلك اختلفوا في جبر الوصي محجوره ، والخلاف في ذلك موجود في المذهب . وسبب اختلافهم : هل النكاح مصلحة من مصالح المنظور له أم ليس بمصلحة وإنما طريقه الملاذ ؟ وعلى القول بأن النكاح واجب ينبغي أن لا يتوقف في ذلك . وأما النساء اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح ، فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ لقوله عليه الصلاة والسلام والثيب تعرب عن نفسها إلا ما حكي عن الحسن البصري . واختلفوا في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها الفساد . فأما البكر البالغ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى : للأب فقط أن يجبرها على النكاح ، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة : لا بد من اعتبار رضاها ، ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه . وسبب اختلافهم : معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم ، وذلك أن ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله : لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها وقوله تستأمر اليتيمة في نفسها خرجه أبو داود ، والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات الأب بخلاف اليتيمة ، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور والبكر تستأمر يوجب بعمومه استئمار كل بكر . والعموم أقوى من دليل الخطاب ، مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة ، وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام : والبكر يستأذنها أبوها وهو نص في موضع الخلاف . وأما الثيب الغير البالغ ، فإن مالكا وأبا حنيفة قالا : يجبرها الأب على النكاح ، وقال الشافعي : لا يجبرها ، وقال المتأخرون : إن في المذهب فيها ثلاثة أقوال : قول إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق ، وهو قول أشهب ، وقول إنه يجبرها وإن بلغت ، وهو قول سحنون ، وقول